الشيخ حسن المصطفوي

169

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

الفرق بينها وبين موادّ الرحمة والرأفة وغيرها . فالقيدان ملحوظان في المادّة . وأمّا تفسيرها بالحنّة والصرف والثني والإمالة والاعوجاج والإعراض والجفا والجنب والرداء وغيرها : فمن باب التقريب وبلحاظ تناسب المورد . فالعطوف : من أسماء اللَّه تعالى ، وفيه يتحقّق حقيقة التمايل مع رأفة ورحمة . فانّه تعالى من شأنه الرحمة والإفضال ، وليس له حاجة ولا غرض سوى إيصال الخير والإنعام ، ولا يمنع عن سريان عطوفته سوى طغيان العبد وتمرّده وسوء نيّته . ثمّ إنّ العطف إمّا ظاهرىّ وهو يتحقّق بتمايل عضو من البدن إلى جانب المطلوب ، أو بتمام البدن . وإمّا معنوىّ وهو يتحقّق بتوجّه القلب وميله إلى مطلوبه . والمادّة إذا استعملت بحرف عن : تدلّ على الانصراف والاعراض ، وإذا استعملت بحرف على : تدلّ على شمول العطوفة ، فيقال عطف عن حاجته أي صرفه عنها . وعطف على رعيّته أي رحمهم . والعطف بالكسر : اسم لما به يتحقّق التمايل والرأفة ، وهو في الأكثر يتحصّل بوسيلة جانب من البدن ، فالعطف مظهر التمايل والرأفة في مورد اظهار العطوفة ، نفيا أو إثباتا . * ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي ا للهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * . . . . * ( ثانِيَ عِطْفِه ِ ) * - 22 / 9 . الثّنى هو الصرف ، أي صارفا عطفه عن الحقّ وعن التوجّه إلى الحقيقة ، بسبب توجّه إلى نفسه ورؤيته ، فهو يصرف ويميل جانبه ورأفته عن الحقّ ، ولا يعطف اليه . وهذه الآية الكريمة تصرّح بأنّ البحث فيما يرجع إلى اللَّه عزّ وجلّ والى صفاته وأفعاله وأسمائه ، مذموم وموجب للإضلال ، إذا لم يكن عن علم اكتسابىّ ، ولا عن هدى شهودىّ نورانىّ ، ولا عن كتاب سماوىّ مضبوط محكم . وهذا كما في جريان بحث المدّعين للحكمة الإلهيّة والفلسفة ، حيث يقولون ما ليس لهم به علم قاطع ، ويكتبون ما لا يطمئنّ به قلوبهم ، ويبحثون فيما لا يشاهدون ، ومن غير استناد إلى كتاب سماوىّ محكم .